الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

144

شرح ديوان ابن الفارض

بعدوا عني أهلا . ولكن قوله « وإن جل ما ألقى من القيل والقال » يؤكد المعنى الثاني أي ليس حبه ثقيلا عليّ وإن كان ما أجده في محبته أعظم من أن يحصر بالقيل والقال ، وأن يحصى بتصوير المشابهة والمثال ، و « إن » هنا وصلية للتوكيد فلا تحتاج إلى جواب . ( ن ) : قوله له ، أي لأجله يعني لأجل المحبوب المذكور . وقوله من القيل والقال ، يعني ما يكثر في طريق المحبة من القال والقيل من العذول والرقيب الواشي وغيرهم من الناس . اه . بقيت به لمّا فنيت بحبّه بثروة إيثاري وكثرة إقلالي [ الاعراب والمعنى ] « بقيت به » أي بالحبيب عندما فنيت بحبه فكان الفناء سبب البقاء ، وما ألطف قول من قال : موت النفوس حياتها * من رام أن يحيا يموت وقال الآخر : أموت إذا ذكرتك ثم أحيا * فكم أحيا عليك وكم أموت وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » وما ألطف قوله « بقيت به » ، و « فنيت بحبه » فجعل البقاء باللّه ، والفناء بحبه لأن الإضافة إلى الوجود الواجب هي سبب الوجود ، ومتى انقطعت النسبة بين الواجب والجائز من جميع الوجوه حق الفناء الذي ليس هو مطلوب أرباب المعارف ، وأما الفناء الناشئ عن المحبة فهو عبارة عن انقطاع العبد عن شؤونه ، واتصاله بالشؤون الذاتية ، وذلك بقاء بعد فناء لكنه فناء باللّه وفي اللّه وبقاء به وفيه . هذا هو المشار إليه بقوله « بقيت به لما فنيت بحبه » . قوله « بثروة » الثروة بالثاء المثلثة من فوق الغنى وكثرة المال والنشب ، والإيثار بالشيء أن تعطيه لغيرك مع احتياجك إليه . وقال بعض الصوفية من أخلاق أهل اللّه الإيثار مع الإقتار والإعطاء بغير إبطاء . قوله و « كثرة إقلالي » الإقلال كون الشخص مقلا أي قليل المال والنشب ، فكثرة ذلك عبارة عن كمال الإقلال . فكأنه قال وكثرة فقري ، ولا يخفى ما في قوله « بثروة إيثاري » من الإغراب لأن الإيثار من شأنه الإقتار والفقر لا الثروة والغنى . وكذلك الإقلال فإن شأنه أن ينشأ عنه العدم والفقر لا الكثرة والغنى هذا كما نص عليه المصراع الأوّل على أنّ البقاء به حاصل من الفناء بحبه . وفي البيت الطباق بين البقاء والفناء مع التصحيف بنوع قلب أيضا ، وبين الثروة والإيثار والإقلال والإكثار .